علي محمد علي دخيل

331

الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

قلبه لأن المراد بالأول أنه يذكر ثوابه وانعامه وآلاءه التي لا تحصى وأياديه التي لا تجازى فيسكن إليه وبالثاني أنه يذكر عقابه وانتقامه فيخافه ويوجل قلبه أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ وهذا حثّ للعباد على تسكين القلب إلى ما وعد اللّه به من النعيم والثواب والطمأنينة إليه ، فإن وعده سبحانه صادق ، ولا شيء تطمئن النفس إليه أبلغ من الوعد الصادق الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مبتدأ مستأنفا ومعناه : الذين يؤمنون باللّه ويعملون ما يجب عليهم من الطاعات طُوبى لَهُمْ معناه : فرح وقرة عين وَحُسْنُ مَآبٍ أي ولهم حسن مآب : أي مرجع . 30 - 31 - لما ذكر سبحانه النعمة على من تقدّم ذكره بالثواب وحسن المآب ، عقّبه بذكر النعمة على من أرسل إليه النبي ( ص ) فقال كَذلِكَ أَرْسَلْناكَ أي كما أنعمنا على المذكورين بالثواب في الجنة ، أنعمنا على المرسل إليهم بإرسالك وقيل : ان معنى التشبيه : انا كما أرسلنا الأنبياء في الأمم قبلك أرسلناك فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِها أُمَمٌ أي في جماعة قد مضت من قبلها قرون وجماعات لِتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ بيّن الغرض في إرساله وهو أن يقرأ عليهم القرآن ليتدبروا آياته ، ويتّعظوا بها وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ أي وقريش يكفرون بالرحمن ، أي ويقولون : قد عرفنا اللّه ولا ندري ما الرحمن كما أخبر عنهم بأنهم قالوا : وما الرحمن أأنسجد ؟ ؟ ؟ لما تأمرنا قُلْ يا محمد هُوَ رَبِّي أي الرحمن الذي أنكرتموه ربي ، أي خالقي ومدبري لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ أي إليه فوضت أمري متمسكا بطاعته ، راضيا بحكمه وَإِلَيْهِ مَتابِ أي مرجعي وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أي تجعل به الجبال سائرة فأذهبت من مواضعها ، وقلعت من أماكنها أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أي شققت فجعلت أنهارا وعيونا أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى أي أحيي به الموتى حتى يعيشوا ويتكلموا والتقدير : لكان هذا القرآن لعظم محله ، وعلو أمره ، وجلالة قدره ، والمعنى : لو أن قرآنا سيّرت به الجبال ، أو قطعت به الأرض ، أو كلم به الموتى لما آمنوا ، ودليله قوله : وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ ، إلى قوله : ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً معناه : ان جميع ما ذكر من تسيير الجبال ، وتقطيع الأرض ، وإحياء الموتى ، وكل تدبير يجري هذا المجرى للّه ، لأنه لا يملكه سواه ، ولا يقدر عليه غيره ، ولكنه لا يفعل لأن فيما أنزل من الآيات مقنعا وكفاية للمنصفين أَ فَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا معناه : أفلم ييأس الذين آمنوا من إيمان هؤلاء الذين وصفهم اللّه عزّ وجلّ بأنهم لا يؤمنون أَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً أي ان اللّه لو أراد أن يهدي الخلق كلهم إلى جنته لهداهم ، لكنه كلفهم لينالوا الثواب بطاعاتهم على وجه الاستحقاق وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا من كفرهم وأعمالهم الخبيثة قارِعَةٌ أي نازلة وداهية تقرعهم ، ومصيبة شديدة من الحرب والجدب والقتل والأسر عليهم على جهة العقوبة للتنبيه والزجر أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دارِهِمْ المعنى : وتحل تلك القارعة قريبا من دارهم فتجاورهم حتى يحصل لهم المخافة حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ أي حتى يأتي يوم القيامة إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ ظاهر المعنى . النظم اتصلت الآية الأخيرة بقوله : وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ ، والتقدير : أن مثل هذا القرآن أنزل عليهم وهو يطلبون آيات أخر . 32 - 34 - ثم عزّى سبحانه نبيّه ( ص ) فقال وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ كما استهزأ هؤلاء بك فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا أي فأمهلتهم وأطلت مدتهم ليتوبوا ، ولتتم عليهم الحجة ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ أي أهلكتهم وأنزلت عليهم عذابي فَكَيْفَ كانَ عِقابِ أي فكيف حلّ عقابي بهم ، وهو إشارة إلى تفخيم ذلك العقاب وتعظيمه ثم عاد سبحانه إلى الحجاج مع الكفار أَ فَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ